مناهج العلوم القانونية
مقدمة :
يدرس مقياس مناهج البحث العلمي في كل الجامعات عبر العالم وفي جميع التخصصات العلمية والتقنية، وتخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية. وتهدف منهجية البحث العلمي إلى جعل الطالب الجامعي منهجيا في تفكيره وطروحاته وبحوثه متخلصا من الجمود الفكري ومتوجها نحو الإبداع والتجديد والنقد والتحليل الممنهج والمنظم .
إن دراسة منهجية البحث العلمي في العلوم القانونية ركيزة أساسية لطلبة التدرج وما بعد التدرج ، ولا يمكن الاستغناء عنها في أية مرحلة من مراحل البحث العلمي النظري أو التطبيقي .
إن تجنب إصدار أية أحكام تعسفية من طرف الباحث أو وقوعه في السذاجة العلمية يرتكز على مدى تسلحه بالمنهجية العلمية وأساليب البحث وتقنياته .
ويمكن إجمال موضوع هذه الدراسة في المواضيع التالية :
الفصل الأول : مفاهيم عامة حول العلم والمنهجية
المبحث الأول : الروح العلمية
المطلب الأول : الملاحظة
المطلب الثاني : المساءلة
المطلب الثالث : الاستدلال
المطلب الرابع : المنهج
المطلب الخامس : التفتح الذهبي
المطلب السادس : الموضوعية
المبحث الثاني : مفهوم العلم
المطلب الأول : فلسفة العلم
المطلب الثاني : تعريف العلم
المطلب الثالث : خصائص العلم
المطلب الرابع : وظائف وأهداف العلم
المبحث الثالث : مفهوم المنهجية
المطلب الأول : - تعريف المنهج
المطلب الثاني : - تعريف المنهجية
المطلب الثالث : - المنهجية فن أو علم
المطلب الرابع : - العلاقة بين الفكر والمنهج
الفصل الثاني : البحث العلمي ( مفهومه – أدواته – مراحل إعداده )
المبحث الأول : مفهوم البحث العلمي ( التعريف – الخصائص – الأنواع
المطلب الأول : تعريف البحث العلمي
المطلب الثاني : خصائص البحث العلمي
المطلب الثالث : أنواع البحث العلمي
المبحث الثاني : أدوات وخطوات ومراحل إعداد البحث العلمي
المطلب الأول : أدوات البحث العلمي
المطلب الثاني : خطوات البحث العلمي
المطلب الثالث : مراحل إعداد البحث العلمي
الفصل الأول
مفاهيم عامة حول العلم والمنهجية
المبحث الأول : الروح العلمية
قبل أن يستعد الإنسان في اتخاذ موقف معين والقيام بنشاط معين أن يستعد ذهنيا وذلك من أجل أن يضمن النجاح فيه لاحقا . فعند جلوس الشخص أما مقود السيارة مثلا ، فهو مطالب بالحذر قبل الانطلاق ، كما يعتبر التركيز ضروري بالنسبة للطالب أمام ورقة الامتحان .
كذلك الحال في مجال النشاط العلمي ، فإنه يتطلب تحضيرا ذهنيا ، وذلك لأنه لا يمكن اعتبار العلم مجرد مجموعة من المعارف التي يجب تعلمها ، بل هو إضافة إلى ذلك نشاط منتج للمعرفة عن طريق البحوث والدراسات .
وبذلك فإن هذه الاستعدادات الذهنية التي يجب أن يتميز بها كل باحث علمي نسميها بـ : الروح العلمية فإن كان هناك ما يسمى بالروح الرياضية التي تتميز بها النشطات العلمية ونشاطات البحث العلمي.
وهذه الروح العلمية لها مميزات خاصة بها يمكن إجمالها فيما يلي :
- الملاحظة
- المساءلة
- الاستدلال
- المنهج
- التفتح الذهني
- الموضوعية
المطلب الأول : الملاحظة
لماذا نلاحظ ؟ إنه الفضول في المعرفة أو الرغبة الإيجابية في الاطلاع التي يشعر بها كل شخص ولكن بدرجات متفاوتة إذن الروح الملاحظة هي روح فضولية .
يظهر الاستعداد الذهني للروح العلمية من خلال الميل نحو الاهتمام بكل ما يحيط بنا ، ما من شخص إلا وجلس في مكان ما في الشارع أو في حديقة أو غابة وكان منشغل بالتركيز على شيء معين . إذن هذا الموقف هو في الحقيقة دليل على وجود رغبة في الكشف عما تخفيه المظاهر الخارجية ، إن هذا الاهتمام الموجه نحو الأشخاص والأشياء ما هو إلا خطوة أولى من جهد لمحاولة فهم محيطنا
وفي المجال العلمي ، فإنه للوصول إلى الفهم ، فإن العلم قد أعد أدوات كثيرة ، تأتي في مقدمة هذه الأدوات الملاحظة العلمية التي تسمح باكتشاف وفهم بعض جوانب الظواهر التي مازالت إلى حد الآن مبهمة.
مراحل الملاحظة :
للملاحظة مراحل قسمها العالم selye وهي : الإدراك والتعرف والتقييم ، إن هذه المراحل هي من مميزات الملاحظة العلمية ، لأنه في الحياة العادية يمكننا التوقف عند المرحلة الأولى والاكتفاء بها ، أما في حالة التزامنا بروح علمية فلابد من اجتياز بقية المراحل
مثال : نفرض مثلا أنك وصلت إلى مقهى وشاهدت في الوهلة الأولى أربعة أشخاص جالسون حول الطاولة ، ففي هذه الحالة تكون قد أنجزت الخطوة الأولى وهي المشاهدة ، ثم تبين لك بعد ذلك أن اثنين منهما قد سبق وأن رأيتهما ، وأن الشخصين الآخرين لم يسبق لك رؤيتهما ، ففي هذه الحالة وهي الخطوة الثانية ، تكون قد تعرفت على اثنين منهما . أما في الخطوة الثالثة والأخيرة فإنك ستحاول معرفة إن كان يجب عليك أن تتوجه نحوهما أو تمتنع عن ذلك ، ففي هذه الحالة تكون قد قمت بعملية التقييم وهذا التقييم يكون انطلاقا من عدة اعتبارات ومقاييس مثل الرغبة في التحدث معها ، درجة الإزعاج الذي تسببه لهما ، الأهمية المحتملة لموضوع الحديث بينهما .... إلخ
إن كل هذه العمليات تتم في ذهنك في وقت قصير نسبيا كما أنه لا يمكنك دائما إدراك كل هذه المراحل المختلفة.
من خلال كل ذلك ، يمكن القول أن الملاحظة العملية تقوم على الإدراك والتعرف ثم التقييم ، وهذا ما يميز الملاحظة العملية عن المشاهدة البسيطة التي لا تمت بأي صلة بالروح العملية .
- أهمية الملاحظة :
إن ملاحظة الواقع هو مركز اهتمام الطريقة العلمية في البحث العلمي وأن الملاحظة تسعى إلى معرفة الواقع أو إلى تغييره ، هكذا فإن ملاحظة الواقع لا غنى عنها لكل عمل يريد أن يقوم على أسس علمية فالمؤرخ ابن خلدون يعتبر المؤسس الحقيقي لعلم التاريخ لكونه أول من ركز بحثه على ملاحظة " طبيعة الأشياء" .
المطلب الثاني : المساءلة
المساءلة هي فعل التساؤل حول ظاهرة ما . إنه من المستحيل أن نشاهد كل شيء في الواقع ، حيث أن الأسئلة التي تطرح قبل الملاحظة أو أثناءها هي التي توجه مشاهدتنا إذن بصفة عامة يمكن القول أن الأسئلة هي التي تسمح لنا بانتقاء الظواهر وتحديدها ( الظواهر التي سيتوقف عندها التفكير )
إذن من خصائص الروح العلمية هو حب التساؤل ، فأثناء قيامنا بالملاحظة فإن الروح العلمية تبحث عن تجاوز مجرد المشاهد البسيطة ، حيث يتم طرح السؤال : لماذا أخذ هذا الشيء أو ذاك هذا الاتجاه أو ذاك ؟
أو لماذا تتبنى هذه المجموعات الاجتماعية هذا السلوك أو ذاك .... إلخ ؟ إنها الروح العلمية التي تحب التساؤل باستمرار.
بالنسبة للروح العلمية ، فإن كل معرفة هي جواب لسؤال إذا لم يكن هناك سؤال ، لا يمكن أن تكون هناك معرفة علمية
إن الروح العلمية تطرح بالنسبة للباحث مسألة الشك الإيجابي ، بمعنى عدم قبول أي شيء وكأنه مكسب أبدي إن الشك لا يعني عدم الاعتقاد في أي شيء ، بل الأصح في العلم هو التفكير في أن كل إثبات أو تأكيد سيضل مؤقتا ومن واجب العلماء ألا يتغاضوا عن ذلك .
وفي مجال البحث العلمي لابد على الباحث أن يستمر في طرح الأسئلة دون توقف ، وذلك من أجل التوصل إلى تسجيل ملاحظات متعددة تكون معللة وموجهة من طرف تساؤلاتهم .
إن الحديث عن الشك الإيجابي وعملية طرح الأسئلة تولد لنا فكر نقدي ، أي الفكر القائم على التساؤل قبل قبوله لأية فكرة كانت .
- أهمية المساءلة :
إن الاستغناء عن التساؤل الهادف والمركز ، يفقد الملاحظة قيمتها فمهما كانت مدة ملاحظتنا لظاهرة ما ودقتها ، فإنها ستكون خالية من كل قيمة مفيدة للمعرفة العلمية دون عملية التساؤل .
فمثلا أن شخصان يقومان بملاحظة نفس الظاهرة ، وأن أحدهما قد وضع مسبقا تساؤلا حول ما سيشاهده بالنسبة إلى هذا الشخص ، فإن الملاحظة سيكون لها من دون شك معنى أعمق مقارنة بملاحظة الشخص الثاني التي تخلو من أي تساؤل مسبق ، وبالتالي سينساها بمجرد مرورها .
إذن يمكن القول أن المساءلة هي التي تسمح بتحديد مشكلة البحث وتعريفها .
المطلب الثالث : الاستدلال
إن الاستدلال هو فعل التصوير عن طريق الذهن .
إن التجريد هو خاصية من خصائص الروح العلمية والاستدلال ، إنها قدرة الفهم الذي لا نمنحه في الحال لما ندركه .
إن التجريد هو أساس المعرفة العلمية وهو مسعى أساسي في العلم ، وهو من نتائج الاستدلال .
إن المساءلة في حد ذاتها قائمة على الاستدلال ، وهنا فالعقل يفرض نفسه كأداة أساسية .
المطلب الرابع : المنهج
إن استعمال المنهج في البحث العلمي مسألة جوهرية ، إن طرحنا للأسئلة يجب أن يتم وفق منهج وبصرامة ورغبة في التنظيم كل ذلك من أجل الوصول إلى نتيجة ، كما أن الإجراءات المستخدمة أثناء إعداد البحث وتنفيذه هي التي تحدد النتائج .
إذن المنهج هو سلسلة من المراحل المتتالية التي ينبغي إتباعها بكيفية منسقة ومنظمة .
وسنتطرق لاحقا بشيء من التفصيل لخطوات إعداد البحوث وفق منهج محدد وواضح من أجدل الوصول إلى الحقيقة العلمية .
أهمية المنهج :
إن إتباع منهج صحيح في البحث يؤدي بنا إلى الوصول إلى نتائج صحيحة .
المطلب الخامس : التفتح الذهبي
التفتح الذهني هو موقف يسمح بتصور طرق جديدة في التفكير .
- إن السلوكيات والأفعال والاعتقادات التي تتميز بها والحياة اليومية تشكل في غالب الأحيان " بالحس المشترك " .
فمثلا يمكن أن يسود الاعتقاد بأن المهاجرين من دول الجنوب يمثلون حملا ثقيلا على اقتصاديات دول الشمال ، وهذا يدخل في إطار الحس المشترك ، أو أن العائلات التي تتقاسم المهام الأسرية بين الأبوين كأن يكون الأب والأم من العاملين ، فإن ذلك قد يشكل حسا مشتركا على ضرورة عمل المرأة وقد يشكل في مجتمعات أخرى حسا مشتركا على ضرورة عدم عمل المرأة .
- إذن التفتح الذهني يتضمن فكرة احتمال عدم ملائمة الواقع مع الأفكار الملقنة والمكتسبة .
- فالروح العلمية يجب أن تتجاوز الأحكام والحس المشترك المتفق عليه ، وأن تبتعد بقدر الإمكان عن العفوية في التفكير .
- إن الروح العلمية مطالبة بقبول ووجود طرق أخرى لتصور الأشياء ، غير تلك التي تعودت عليها .
- إن التفتح الذهني يؤدي بنا إلى ترك الأحكام المسبقة جانبا ، ويؤدي بنا إلى قبول النتائج حتى ولو كانت متناقضة لأفكارنا المكتسبة ، إذن علينا في المجال العلمي أن نترك تصوراتنا الأولية جانبا ، وهذا يتطلب جهدا للتحكم في الذات .
- أهمية التفتح الذهني :
إن الروح العلمية تستدعي القيام على أساس التفتح الذهني والابتعاد والتراجع عن الاعتقادات والطرق المتعود عليها في التعامل مع الأشياء والتفكير فيها ، حيث أن الاعتماد على الأفكار المسبقة قد يؤدي إلى إخفاء بعض الأبعاد الجديدة للظاهرة التي تجرى ملاحظتها .
- إن التفتح الذهني يقوم على أساس احتمال عدم ملائمة الواقع مع الأفكار المكتسبة ، ومن ثم فإن الباحث يجب أن يظل مستمرا في تفتحه الذهني طوال مدة إنجازه للبحث .
- إن التفتح الذهني يتضمن ضرورة الاحتياط من المعرفة العامة وإعادة تقييم المعرفة العلمية .
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق