القانون الدستوري
مقدّمة
يقتضي تعريف القانون الدستوري تحديد معنى القانون ث ّم معنى الدستوري.فالقانون Le droit هو جملة من القواعد التي تنظّم السلوك داخل المجموعة البشريّة وتتميّز عن
القواعد الأخلاقيّة والدينيّة في آونها ملزمة أي أن مخالفتها تؤدّي إلى العقاب القانوني، فيجب
على الجميع احترامها احتراما تكفله السلطة العامّة بالقوّة عند الضرورة. ويجب أن لا نخلط بين
القانون بهذا المعنى الشامل والقانون بمعناه الخاص La loi أي النصوص التشريعيّة التي
يصدرها البرلمان.
أما إضافة الدستوري للقانون Le droit constitutionnel، فهي نسبة للدستور la
constitution ولها معنيان : الأول شكليّ ويعني وثيقة مكتوبة صادرة عن أعلى سلطة في
الدولة تسمّى السلطة التأسيسيّة الأصليّة، وتشمل هذه الوثيقة أهمّ القواعد القانونيّة في الدولة
والمتعلّقة خاصّة بتنظيم السلطة السياسيّة وانتقالها وعلاقتها بالأفراد في الدولة. أما المعنى المادي
للدستور فيقصد به مجموع القواعد القانونيّة مهما آان شكلها والتي تحدّد تنظيم السلطة السياسيّة
وانتقالها وعلاقتها بالأفراد في الدولة.
هذا ما يحيلنا إلى تعريف القانون الدستوري على أساس آونه فرعا من فروع القانون يشمل جملة
القواعد القانونيّة التي تضبط تنظيم السلطة السياسيّة وممارستها وانتقالها وعلاقاتها بالأفراد في
الدولة.
ولقد برزت مادة القانون الدستوري لأول مرّة في جامعات شمال إيطاليا سنة1797 ثم انتقلت إلى
فرنسا سنة 1934 لتنتشر تدريجيا في مختلف أنحاء العالم.
وآان هذا الظهور مرتبطا ببروز ظاهرة الدساتير المكتوبة، فقبل القرن الثامن عشر آان تنظيم
السلطة السياسيّة في أغلب دول العالم خاضعا لبعض القواعد العرفيّة وهي قواعد غير مكتوبة
نتجت عن تكرّر سلوك لمدّة معيّنة واآتسبت نتيجة هذا الاطراد شعورا من المجموعة بإلزامّيتها،
وقد سمحت هذه القواعد باستمرار استبداد الحكام، لهذا آان أحد أهمّ مطالب رواد حرآة التنوير
في أوروبا وضع دستور مكتوب تكون أحكامه واضحة وثابتة ومتاحة للإطلاع عليها وذلك لتقييد
الحكم المطلق وضمان الحريّة. فكان أحد شعارات المدرسة الليبراليّة "لا حريّة بدون دستور ولا
Pas de liberté sans constitution et réciproquement pas de "ةّحري بدون دستور
5
constitution sans liberté وآان لهذا الارتباط بين فلسفة الأنوار وبين الدستور المكتوب
دورا آبيرا في انتشار الدساتير المكتوبة ث ّم في انتشار القانون الدستوري.
لكن أدّى هذا في البداية إلى ربط مطلق بين القانون الدستوري والدستور، مما ضيّق من نطاق
المادة إذ جعل البعض مادة القانون الدستوري مجرّد شرح وثيقة الدستور le droit
. constitutionnel était le droit de la constitution
لكن مع تطوّر الأوضاع السياسيّة في القرن العشرين تبيّن بأنه لا يمكن أن نحصر دراستنا
للقانون الدستوري في وثيقة الدستور، فقام بعض المختصّين بتوسيع مادّة القانون الدستوري
بإضافة عبارة المؤسسّات السياسيّة Les institutions politiques. وقد أدّى هذا إلى إصدار
مرسوم في فرنسا سنة 1954 يغيّر تسمية مادة القانون الدستوري إلى "القانون الدستوري
والمؤسسات السياسيّة". ويمكن تعريف المؤسسّة السياسيّة على أساس آونها آلّ بناء قانوني
يساهم أو يؤثّر في التنظيم السياسي للمجموعة (شكل أو هيئة) سواء آانت رسميّة أو غير رسميّة،
قانونيّة أو غير قانونيّة. وقد مكّن اعتماد مصطلح "المؤسّسات السياسيّة" في مجال العلوم
القانونيّة من تطوير دراسة التنظيم السياسي وذلك من جانبين:
فمن جانب أوّل أآّدت هده العبارة فكرة "دولة القانون والمؤسّسات" آهدف للتنظيم السياسي. ومن
جانب آخر، آانت الدراسات القانونيّة للظواهر السياسيّة عند ظهورها في شكل مادّة القانون
الدستوري سواء في إيطاليا سنة 1797 أو في فرنسا سنة 1834 تقتصر على دراسة وثيقة
الدستور، أي بتجاهل آلّ المؤسّسات الغير منصوص عليها في الدستور، مثل الأحزاب السياسيّة
والرأي العام، ومجموعات الضغط، والنقابات والطوائف الدينيّة والقبائل في بعض الدول، مما
أدّى إلى التباعد والانفصام بين السير الواقعي للأنظمة السياسيّة والدراسات الأآاديميّة التي آانت
تقتصر على دراسة القواعد القانونيّة بمعزل عن مدى تطبيقها أو فاعليّتها.
ث ّم تواصل مجهود المختصيّن لتطوير محتوى مادّة القانون الدستوري بحيث يمكن القول اليوم أن
موضوع القانون الدستوري يمكن تلخيصه في عبارات ثلاث: Norme- institution et
liberté: القاعدة- المؤسّسة والحريّة.
وسنقوم في هذا الاتجاه بتقديم هذا الدرس وفق خمسة محاور:
1. مصادر القانون الدستوري
2. الدولة
3. مبدأ فصل السلطات والأنظمة السياسيّة
4. الحقوق والحرّيات السياسيّة
6
الفصل الأول: مصادر القانون الدستوري
يقصد بالمصادر: الأصل أو المنبع الذي نستمدّ منه أو يظهر منه الشيء. أما في لغة القانون
فنعني بها النصوص أو المراجع التي نجد فيها القواعد القانونيّة المتعلّقة بمادة أو ميدان
معيّن.
ويتميّز القانون الدستوري بتعدّد وتن ّوع مصادره. وقد فرض هذا التعدّد ترتيبا معيّنا لهذه
المصادر بشكل متدرّج أو هرمي، يفرض بأن تخضع القاعدة القانونيّة الأدنى إلى القاعدة
الأعلى درجة وقد سميّ هذا التدرّج الهرمي للقواعد القانونيّة La hiérarchie des
normes. ويعود الفضل إلى رجل القانون النمساوي Hans Kelsen في بلورة هذه
الهرميّة، فقد اعتبر بأن آلّ قاعدة قانونيّة تستمدّ قوتها من القاعدة الأعلى، مما يفرض عليها
احترامها، فيكون هرم المصادر القانونيّة آالآتي:
الدستــــــــــــور
المعاهدات الدوليّة
القوانين الأساسيّة
القوانين العاديّة
المراسيم
الأوامر
القرارات
المناشير
هذا الترتيب الهرمي يعتبر الترتيب العام أو المبدئي بالنسبة لمختلف فروع القانون، وسوف
نتعرّض إلى هذه المصادر مرآّزين على خصوصيّة ترتيبها بالنسبة لمادة القانون الدستوري.
حيث نجد الدستور المصدر الأساسي للقانون الدستوري (المبحث 1)، إلى جانبه توجد
مصادر مكتوبة يحيل إليها الدستور (المبحث 2) أخيرا توجد مصادر تفسيريّة لا يحيل إليها
الدستور (المبحث 3).
7
المبحث الأوّل: الدستور La constitution
يمثّل الدستور المصدر الرئيسي للقانون الدستوري إذ نجد فيه أهمّ القواعد القانونيّة المتعلقة
بهذه المادة. لكن يجب أن نوضّح مسألة أوّلية تتعلّق بوجود نوعين من الدساتير، النوع الأول
هو الدستور العرفي la constitution coutumière ويعني غياب وثيقة مكتوبة تجمع
القواعد القانونيّة المنظمّة للسلطة السياسيّة في الدولة، فالدستور العرفي آما يدلّ إسمه هو
غير مدوّن بل ناتج عن مجموعة أعراف coutumes أي أنها تصرّفات متكّرة اعتبرها
المجتمع ملزمة، وقد تتخلّل هذه الأعراف بعض القواعد المكتوبة، لكنّها غير مجمّعة في
وثيقة موحّدة يمكن اعتبارها دستورا مكتوبا. وأبرز مثال اليوم على بقاء هذا النوع من
الدساتير هي بريطانيا العظمى التي يخضع فيها تنظيم السلطة السياسيّة إلى مجموعة من
الأعراف وبعض القواعد المكتوبة التي يرجع تاريخ بعضها إلى سنة 1215. ولا تتجاوز
الدول التي تمسكت إلى اليوم بالدساتير العرفيّة السبعة، وهو ما يعني بأن أغلبيّة الدول اليوم
تكرّس الدساتير المكتوبة.
أما النوع الثاني وهو السائد اليوم فهو الدستور المكتوب، وهو وثيقة تصدرها أعلى سلطة في
الدولة وهي السلطة التأسيسيّة الأصليّة، تجمع فيها أهمّ القواعد القانونيّة في الدولة، وخاصّة
تنظيم السلطة السياسيّة ومبادئ ممارستها وعلاقاتها بالمحكومين، آما نجد فيها أهمّ الحقوق
الأساسيّة للإنسان التي تعترف بها الدولة، مما يكشف التوجّه الأيديولوجي الذي تقوم عليه
الدولة.
ويعتبر دستور مقاطعة فرجينيا الصادر سنة 1776، ثمّ دستور الولايات المتحدة الأمريكيّة
المؤرّخ في سنة 1787 أولى الدساتير المكتوبة في العالم. وقد أخذ هذا الشكل من الدساتير
ينتشر تدريجيا في مختلف أنحاء العالم، إذ قامت بعض الدول الأوروبية انطلاقا من سنة
1791 بتبنيّه، وآذلك بعض دول العالم العربي الإسلامي مثل تونس التي وضعت أول
دستور لها سنة 1861، وترآيا سنة 1776 ومصر سنة 1881. ورغم أن هذا الدساتير لم تدم
طويلا إلا أنها آان لها تأثير فيما بعد في حرآات الإصلاح والاستقلال.
ويحت ّل الدستور أعلى سلّم القواعد القانونيّة، أي أنه يجب على آلّ المصادر الأخرى أن
تحترم علويّته، فالدستور هو الذي يؤسّس السلطات السياسيّة في الدولة (رئاسة الدولة،
الحكومة، البرلمان، مجلس الدولة إلخ..) وتسمى هذه السلط سلطا مؤسّسة des pouvoirs
constitués بمقابل السلطة التأسيسّية التي أنشأتهم عند وضع الدستور وهي السلطة
التأسيسيّة الأصليّة Le pouvoir constituant originaire . ونظرا لأهميّة الدستور فإنه
8
لا يمكن تعديله أو إلغاء بعض أحكامه بنفس السهولة التي تنقّح بها القوانين الأخرى، بل يجب
إتباع إجراءات خاصّة ينصّ عليها الدستور في باب التعديل لإصدار قانون دستوري يعدّل
بعض أحكام هذه الوثيقة.
آما يجب حماية الدستور من آلّ خرق قد يقوم البرلمان، لهذا وقع تنظيم رقابة دستوريّة
القوانين، وهي عمليّة تتولاها عادة محكمة دستورية أو مجلس دستوري، يسهر على احترام
المشرّع عند سنّه للقوانين وموافقته على المعاهدات الدوليّة لأحكام الدستور.
ويمكن أن نأخذ مثال الدستور التونسي الصادر في غرّة جوان 1959 لتوضيح أهميّة الدستور
آمصدر للقانون الدستوري. فقد نصّ الدستور التونسي في بابه الأول وضمن الأحكام العامّة
على الحقوق والح ّريات الأساسيّة للمواطن، أما في الباب الثاني فقد خصّص للبرلمان الذي
أصبح منذ سنة 2002 يتكوّن من مجلسين: مجلس للنواب ومجلس للمستشارين، وقد بيّن
الدستور قواعد انتخاب آلّ مجلس وصلاحياته. أما الباب الثالث فخصّصه للسلطة التنفيذية
التي تتكوّن من رئيس دولة، ومن حكومة يرأسها الوزير الأوّل. وقد حدّد الدستور علاقات
السلطتين وقواعد التفاعل بينهما. ونجد بقيّة الأبواب مخ ّصصة لكل من السلطة القضائيّة،
والجماعات العموميّة المحليّة والمجلس الدستوري ورقابة دستوريّة القوانين.
آما نجد الدستور يحيل إلى جملة من المصادر القانونيّة الأخرى والتي يجب أن تحترم
علويّته. لأنه مهما بلغ الدستور من تفصيل وطول فإنه لا يستطيع أن يلمّ بجميع القواعد
المن ّظمة للسلطة السياسيّة، فسواء احتوى الدستور على سبعة فصول مثل الدستور الأمريكي
لسنة 1787 الدستور أو 78 فصلا مثل الدستور التونسي المؤرّخ في سنة 1959، أو أآثر
من 300 فصلا مثل الدستور الهندي، فإنه يبقى دوما في حاجة إلى مصادر تكمّل أحكامه.
المبحث الثاني: المصادر القانونيّة التي يحيل إليها الدستور:
يمكن أن نتعرّض إلى هذه المصادر وفقا لترتيبها الهرمي أي بالمصدر الأعلى فالأدنى، فنجد
المعاهدات الدوليّة (الفقرة 1) ثم القوانين الأساسيّة (الفقرة 2) فالقوانين العاديّة (الفقرة 3)
فالمراسيم (الفقرة 4) فالأنظمة الداخليّة للمجالس النيابيّة (الفقرة 5) فالأوامر (الفقرة 6).
9
الفقرة (1) المعاهدات الدوليّة Les traités internationaux
تتمثّل المعاهدات الدولّية في اتفاقات بين شخصين أو أآثر من أشخاص القانون الدولي العام
(دول أو منظمات دوليّة) وهي ما يجعل منها مصدرا أساسيا من مصادر القانون الدولي
العام، لكن هذه المعاهدات يمكن أن تفرض التزامات معيّنة على الدول الأطراف في
المعاهدة.
وقد ضبط الفصل 32 من الدستور التونسي شروط التزام الدولة التونسيّة بالمعاهدات الدوليّة،
فميّز بين رئيس الدولة وهو الذي يصادق على المعاهدات، لكن خصّص بعض المعاهدات
الهامة وهي التي تتعلّق بحدود الدولة والمعاهدات الخاصّة بالتنظيم الدولي وتلك المتعلّقة
بالتعهدات الماليّة للدولة والمعاهدات المتضمّنة لأحكام ذات صبغة تشريعيّة أو المتعلّقة بحالة
الأشخاص، بوجوب موافقة مجلس النواب، أي لا يحقّ لرئيس الجمهوريّة المصادقة على
مثل هذه المعاهدات إلا بعد موافقة مجلس النواب. وهذه المعاهدات الموافق عليها من مجلس
النواب والمصادق عليها من رئيس الجمهوريّة هي أعلى نفوذا من القوانين.
ويمكن أن تحمل المعاهدات الدوليّة قواعد تتعلّق بالقانون الدستوري من ذلك الميثاق الدولي
المتعلّق بالحقوق المدنيّة والسياسيّة التي صادقت عليه الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتاريخ
16 ديسمبر 1966، والذي صادقت عليه الجمهوريّة التونسيّة سنة 1968، أو آذلك اتفاقيّة
الأمم المتحدة الخاصّة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإن ّ سانية
الموافق عليها في 10 ديسمبر 1984.
لمبدأ الاستقلالية الدستورية 1 وبالرغم من قبول الجمعيّة العامّة للأمم المتحّدة سنة 1970
للدول الأعضاء الذي يسند لكلّ دولة الحقّ في اختيار نظامها السياسي والاجتماعي
le principe de l'autonomie constitutionnelle يةّحر ّبكل والثقافي والاقتصادي
أصبحت مبادئ حقوق الإنسان تحدّ أآثر فأآثر من هذه الاستقلالية الدستوريّة، فقد تمخّض
عن مؤتمر الأمم المتحدة في فيانا سنة 1993 اتجاه يرى بأن حقوق الإنسان ألغت الحدود بين
النظام الدولي والأنظمة الداخلّية للدول فالدول أصبحت اليوم مدعوّة إلى مزيد إدماج بعض
المبادئ في دساتيرها، خاصّة وأن بروز مبدأ حق التدخّل Le principe du droit
d'ingérence أخذ يحدّ جديا من مبدأ المساواة السياديّة بين الدول.
توصية الجمعية العامّة للأمم المتحدة عدد 2625 الصادرة في 24 أآتوبر 1 . 1970
10
الفقرة (2) القوانين الأساسيّة: Les lois organiques
رغم أن الدستور يحدّد أهمّ القواعد المنظّمة للسلطة السياسّة في الدولة، إلا أنه توجد مواد
متعلّقة بتنظيم السلط العموميّة وبحقوق الإنسان يوآلها الدستور نفسه إلى القوانين الأساسيّة.
ويطلق على هذه القوانين نعت "الأساسيّة" تمييزا لها عن القوانين العاديّة. فلئن آانت القوانين
الأساسيّة على غرار القوانين العاديّة تسنّها السلطة التشريعيّة (البرلمان) إلا أنها تتميّز عنها
على مستويين:
المستوى الأوّل هو مستوى المضمون أو المجال إذ أن القوانين الأساسيّة تتصل بمسائل هامّة
تتعلّق إما بتنظيم مسائل معيّنة متّصلة بشؤون الحكم، أو بمجال حقوق الإنسان. وقد ضبط
الفصل 28 من الدستور التونسي مجال القوانين الأساسية آما يلي:
- تحديد علم الجمهوريّة وشعارها.
- حريّة الفكر والتعبير والصحافة والنشر والاجتماع وتنظيم الجمعيّات.
- حرمة المسكن وسرّية المراسلة وحماية المعطيات الشخصيّة.
- حريّة التنقّل داخل البلاد وخارجها واختيار مقرّ الإقامة.
- المصادقة على الميزانيّة.
- ضبط وتنظيم عمل آلّ من مجلس النواب ومجلس المستشارين وتحديد علاقة
المجلسين ببعضهما.
- تنظيم سلك القضاء.
- الضمانات اللازمة للقضاة وتحديد ترآيبة واختصاص المجلس الأعلى للقضاء.
- ترآيبة وإجراءات المحكمة العليا وضبط صلاحياتها.
- ترآيبة المجلس الاقتصادي والاجتماعي وعلاقاته بمجلس النواب ومجلس
المستشارين.
- تنظيم المجالس البلديّة والجهويّة والمصالح المحليّة.
- ضبط الضمانات التي يتمتّع بها أعضاء المجلس الدستوري والتي تقتضيها ممارسة
مهامهم وآذلك قواعد سير عمل المجلس الدستوري وإجراءاته.
11
- القانون الانتخابي.
المستوى الثاني لتميّز القوانين الأساسيّة عن العاديّة يتعلّق بالإجراءات، فلا يمكن عملا بالفقرة
السادسة من الفصل 28 من الدستور أن ينظر مجلس النواب في مشروع قانوني أساسي إلا بعد
15 يوما على إيداعه، في حين لا يوجد هذا الشرط بالنسبة للقوانين العاديّة، والغاية من هذا
الشرط ضمان مزيد التريّث والتمعّن من قبل النوّاب. من جانب آخر يشترط للمصادقة على
مشروع القانون الأساسي موافقة الأغلبيّة المطلقة من النواب (أي نصف الأعضاء زائد واحد)،
بخلاف القوانين العاديّة التي تكفي الأغلبيّة النسبيّة للمصادقة عليها.
الفقرة (3) القوانين العاديّة Les lois ordinaires
وهي النصوص القانونيّة التي يسّنها البرلمان لممارسة السلطة التشريعيّة بشكل عادي، وقد حدّد
الفصل 34 من الدستور مجال هذه القوانين بشكل حصريّ، بحيث لا يحقّ للسلطة التنفيذيّة أن
تتدخّل في هذا المجال دون تفويض من البرلمان، آما لا يحقّ مبدئيا للبرلمان أن يشرّع خارج
مجاله. ويتمثّل مجال القوانين العاديّة في : الأساليب العامّة لتطبيق الدستور ماعدا ما يتعلّق منها
بالقوانين الأساسيّة –بإحداث أصناف المؤسّسات والمنشآت العموميّة – بالجنسيّة والحالة
الشخصيّة والالتزامات- بالإجراءات أمام مختلف أصناف المحاآم – بضبط الجنايات والجنح
والعقوبات المنطبقة عليها وآذلك المخالفات الجزائيّة إذا آانت مستوجبة لعقوبة سالبة للحريّة-
بالعفو التشريعي – بضبط قاعدة الأداء ونسبه وإجراءات استخلاصه ما لم يعط تفويض في دلك
إلى رئيس الجمهوريّة بمقتضى قوانين الماليّة أو القوانين ذات الصبغة الجبائيّة- بنظام إصدار
العملة- بالقروض والتعهدات الماليّة للدولة- بالضمانات الممنوحة للموظفين المدنيين
والعسكريين-. آما يضبط القانون المبادئ الأساسيّة لنظام الملكيّة- والحقوق العينيّة-للتعليم-
للصحّة العموميّة ولقانون الشغل والضمان الاجتماعي.
أما عن إجراءات سنّ القانون العادي فإنه ووفق منطوق الفصل 28 من الدستور تتمّ المصادقة
عليها من طرف مجلس النواب ومجلس المستشارين بأغلبيّة الأعضاء الحاضرين على أن لا تقلّ
هذه الأغلبيّة عن ثلث أعضاء آلّ من المجلسين.
ويمكن أن تحوي بعض القوانين العاديّة قواعد هامّة ذات محتوى دستوري من ذلك القانون عدد
39 لسنة 1990 المؤرّخ في 18 أفريل 1990 المنظّم للمجلس الدستوري.
12
الفقرة (4) الأنظمة الداخليّة للمجالس البرلمانيّة: Les règlements intérieurs
des Chambres parlementaires.
تهتمّ الأنظمة الداخلية للمجالس النيابيّة بتنظيم وسير العمل البرلماني. ويمكن للنظام الداخلي
لمجلس نيابي أن يوضّح أو يكمّل القواعد التي نصّ عليها الدستور، ففي بعض الدول لا ينصّ
الدستور على إحداث لجان بحث برلمانيّة، فيأتي النظام الداخلي لإحداث هذه اللجان، أما في
تونس فقد سكت الدستور التونسي عند وضعه سنة 1959 عن إمكانيّة توجيه النواب لأسئلة إلى
أعضاء السلطة التنفيذيّة فجاء النظام الداخلي آنذاك وأقرّ "حقّ آلّ نائب في التوجّه إلى رئيس
الجمهوريّة بأسئلة آتابيّة وشفاهيّة، آما تعرّض النظام الداخلي لمجلس النواب الصادر سنة 1989
. 1 إل جوانب إجرائيّة لم يتعرّض إليها الدستور
ونظرا لأهميّة وخطورة ما يمكن أن يحمله النظام الداخلي للمجالس البرلمانيّة فقد وقع إخضاعه
للرقابة ، من ذلك ما نصّ عليه الفصل 74 في فقرته الرابعة "يعرض النظام الداخلي لمجلس
النواب والنظام الداخلي لمجلس المستشارين على المجلس الدستوري قبل العمل بهما وذلك للنظر
في مطابقتهما للدستور أو ملاءمتهما له".
Les décrets- lois : المراسيم (5) الفقرة
تقوم هذه النصوص آما تدلّ تسميتها الفرنسيّة على طبيعة مختلطة فهي تأخذ من جهة بعض
عناصر القانون La loi إذ أنها نصوص تتعلّق بمجال القوانين أي مجال السلطة التشريعيّة،
وتأخذ ببعض خصائص الأوامر Les décrets في آونها صادرة عن رئيس الجمهوريّة.
فالمراسيم هي نصوص قانونيّة يتّخذها رئيس الجمهوريّة في مجال القانون، وذلك في حالات
ثلاث: 1. عند العطلة البرلمانيّة، وفي حالة تفويض البرلمان لبعض الصلاحيّات لرئيس
الجمهوريّة، أخيرا في حالة حلّ البرلمان. ويجب عند انتهاء الحالة التي برّرت اتخاذ المرسوم
عرضه على البرلمان للمصادقة عليه.
وقد لوحظ تقليص في اللجوء إلى هذا النوع من النصوص انطلاقا من سنة 2003. ويمكن أن
نذآر آمثال لمراسيم تحمل بعض القواعد المّتصلة بالقانون الدستوري المرسوم عدد 5 لسنة
2005 الصادر في 10 أوت 2005 والمتعلّق بتنظيم المجالس الجهويّة.
أدرج هذا النظام في فصله 57 شروطا إضافيّة حول لائحة اللوم لم يتعرّض إليها الدستور. 1
13
الفقرة (6) الأوامر الترتيبيّة: Les décrets
هي نصوص يتّخذها رئيس الجمهوريّة في مجال السلطة الترتيبيّة العامّة التي ّخولها له الدستور،
وتعني سلطة تنظيم بعض الميادين وفق قواعد قانونيّة عامّة ومجرّدة. ويعتبر مجال هذه السلطة
واسعا إذ أنه يشملّ آل المجالات التي تخرج عن مجال القوانين الأساسيّة والعاديّة، إضافة إلى أن
بعض الأوامر الترتيبيّة تقوم على إتمام بعض القوانين وتوضيح سبل تطبيقها، وتسمى أوامر
تطبيقيّة.
ولئن آان رئيس الدولة هو الذي يتّخذ هذه الأوامر إلا أنه يجب أخذ رأي المحكمة الإداريّة، آما
يجب أن تحمل الأوامر التوقيع المصاحب le contreseing لكلّ من الوزير الأول والوزير
المختصّ.
ويمكن أن نجد أحيانا قواعد ذات محتوى دستوري ضمن الأوامر الترتيبيّة من ذلك الأمر عدد
400 المؤرّخ في 7 نوفمبر 1969 والذي أحدث منصب الوزير الأوّل قبل أن ينصّ عليه دستور
1959، أو الأمر عدد 50 لسنة 1978 المنظّم لحالة الطوارئ في تونس، أو الأمر عدد 1414
المؤرّخ في 16 ديسمبر 1987 المحدث للمجلس الدستوري للجمهوريّة.
المبحث الثالث: المصادر التي لا يحيل إليها الدستور:
وهي مصادر لا يتعرّض عادة إليها الدستور بالذآر، وهي مصادر غير مكتوبة أي غير مدّونة
بشكل رسميّ، ويعتبرها البعض تفسيريّة، في حين يرى آخرون بأنها مصادر ثانويّة. وهذه
المصادر هي العرف الدستوري (الفقرة 1) وفقه القضاء (الفقرة 2) والفقه (الفقرة 3).
La coutume constitutionnelle :الدستوري العرف (1) الفقرة
يتمثّل العرف الدستوري في قواعد غير مكتوبة تنتج عن تكرار واطراد ممارسة من قبل السلط
السياسيّة، وتكتسب هذه الممارسة أو السلوك شيئا فشيئا الشعور بالإلزاميّة.
ونتيجة للانتشار الدساتير المكتوبة، فقد العرف شيئا فشيئا أهميّته السابقة، وتحوّل إلى مصدر
ثانوي يكمّل أحيانا الدستور المكتوب.
14
وينقسم العرف الدستوري إلى ثلاثة أنواع: أولها العرف المفسّر وهو يرمي إلى توضيح نصّ
غامض فيقتصر دوره على ما يكتنف وثيقة الدستور من غموض، فهو لا ينشئ قاعدة جديدة.
النوع الثاني هو العرف المكمّل وهو يأتي لإضافة قاعدة جديدة لا تناقض محتوى الدستور، أخيرا
العرف المعدّل وهو عرف خطير إذ أنه يأتي لإلغاء أو تغيير فصول في الدستور. وهو بهذا يمسّ
من مبدأ علويّة الدستور.
ويمكن القول أن القيمة القانونيّة لكلّ نوع من أنواع العرف أثارت نقاشا حادا بين مخالف الفقهاء،
وقد ذهبت المحكمة الإداريّة في تونس في قرار صادر سنة 1990 إلى رفض العرف المكمّل
صراحة بما يعني رفضها من باب أولى وأحرى للعرف المعدّل، و يعني ضمنا بأنها لا تقبل إلا
العرف المفسّر.
الفقرة (2) فقه القضاء: La jurisprudence
وهي الحلول التي تنتج عن اجتهاد القضاة في تطبيق قاعدة معيّنة أو حلّ نزاع معيّن، ويعتبر
مصدرا تفسيريا هاما خاصّة في مجال القانون الدستوري حيث أن انتشار المحاآم والمجالس
الدستوريّة أ ّدى إلى حلّ النزاعات حول آيفيّة تطبيق أحكام الدستور. وقد ساهم فقه القضاء في
مختلف دول العالم في وضع قواعد جديدة، ولعلّ أشهر مثال هو ما قامت به المحكمة العليا
الأمريكيّة عندما أقرّت سنة 1803 في أحد قراراتها بحقّ القضاء في مراقبة دستوريّة القوانين
بالرغم من أن الدستور الأمريكي لم ينصّ على ذلك، وأدّى هذا إلى تبلور نموذج رقابة ّ دستورية
القوانين عن طريق الدفع.
بالمقابل قامت محكمة التعقيب التونسّية سنة 1988 في قرارين متتاليين بإنهاء النقاش حول مسألة
حقّ القاضي العدلي في الاضطلاع بمثل هذه الرقابة.
وبهذا أصبح فقه القضاء يحتلّ مكانة هامّة ضمن مصادر القانون الدستوري، خاصّة في الدول
التي تكرّس رقابة دستوريّة القوانين، خاصّة وأن جميع السلط العموميّة تكون ملزمة بإتباع
قرارات وآراء المحاآم الدستوريّة.
La doctrine الفقه (3) الفقرة
يقصد بالفقه مجموع الآراء والنظريات والتعاليق التي يقوم بها فلاسفة القانون أو رجال القانون.
ولئن آانت هده الآراء والنظريات تمثّل أساسا اجتهادات فكريّة فرديّة وغير رسميّة أي أنها لا
15
تنطوي على قوّة إلزامية، فإنه لا يمكن أن ننكر أنها تساهم في تفسير القوانين الدستوريّة وتوضيح
ما غمض منها، آما تلعب دورا في توجيه وتطوير آلّ من صياغة النصوص القانونيّة وتطبيقها
من طرف القضاة. فلا يمكن أن ننكر أن القانون الدستوري يدين بفكرة حقوق الأفراد لفلاسفة
الأنوار، وبفكرة فصل السلط للمفكّر الفرنسي منتسكو. وفي مجال التأثير على فقه القضاء
الدستوري، لا ب ّد من ذآر الدور الفعال الذي يضطلع به آبار أساتذة القانون الدستوري في فرنسا
مثل جورج فيدال وموريس ديفارجيه وفرانسوا ليشار في توجيه قضاء المجلس الدستوري
الفرنسي. لهذا اعتبر الفقه مصدرا ثانويا غير مباشر
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق